ابن قيم الجوزية

242

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

من علمهم أنهم على باطل ، وأن الرسل على الحق ، فعاينوا ذلك عيانا ، بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه . فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان ، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب . فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق ، وأن الشرك باطل . وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله . وهذا كمن كان يخفي محبة شخص ومعاشرته ، وهو يعلم أن حبه باطل ، وأن الرشد في عدوله عنه . فيقال له : إن اطلع عليك وليه عاقبك ، وهو يعلم ذلك ويكابر ، ويقول : بل محبته ومعاشرته هي الصواب ، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة ، تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة ، بل بعد أن مسته العقوبة وأنهكته . فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه ، وصواب ما نهاه عنه . ولو رد لعاد لما نهى منه . وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى ، وهو نفي قولهم : إنا لو رددنا لآمنا وصدقنا . لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق ، أي ليس كذلك ، بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه ، وكنتم تخفونه ، فلم يظهر لكم شيء جديد لتكونوا عالمين به لتعذروا ، بل ظهر لكم ما كان معلوما ، وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه . واللّه أعلم . وأما تقليب الأفئدة [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 108 إلى 110 ] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) هذا عطف على قوله : أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون . واختلف في قوله : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فقال كثير من المفسرين : المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة قال ابن عباس في رواية عطاء عنه : ونقلب